مواصلة 6
الدرينى يكشف بالوثائق في ملتقى مركز "يافا" الدور السعودي وحقيقة الفتوى الوهابية
عقد مركز يافا للدراسات عدة ندوات فى الأسابيع الماضية حول الدولة الفاطمية وجانبها المضيئة وانجازاتها واستخلاص ايجابياتها وذلك من خلال متخصصين علماء وباحثين فى مجالات ذات علاقة وثيقة.
وقد شارك السيد محمد الدرينى فى الندوة الثالثة والقى كلمتها الافتتاحية وشرح ابعاد الفتوى الوهابية والموقف السعودى والتدخلات فى مصر وملاحقة السادة الأشراف فى مصر وعدة دول وقدم وثائق تفيد تبعية دار الافتاء السعودى لجهاز الأمن هناك واشار الى اخريات تم نشرها فى كتاب" عاصمة جهنم" والذى تناول الدور السعودى فى ماساة اشراف مصر واليمن والحجاز وغيرهم وتناول بعض الجرائم التى تعرض لها اتباع ال البيت عليهم السلام فى ارض الحرمين.
رأس الجلسات الدكتور رفعت سيد احمد رئيس المركز وقد اصدر المركز عدة كتب تتناول هذه القضية
فصل في الابعاد المتعددة للانساب
في سورة الانعام الايات 83-86 يبن الله تعالى ان ان داؤود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا وعيسى والياس واسماعيل وواليسع ويونس ولوط كانوا عليهم السلام من ذرية النبي ابراهيم عليه السلام مع ان عيسى عليه السلام لم يكن له اب ولوط عليه السلام كان من اهل بيت ابراهيم عليه السلام وهو ما يدل على ان النسب يكون عبر الاباء ويكون ايضا من جهة الامهات لان عيسى عليه السلام ينتسب الى ابراهيم عليه السلام من جهة الام مريم عليها السلام ...والنبي صلى الله عليه وسلم يقول – ابن اخت القوم منهم- والذين يتسبون اليوم الى النبي صلى الله عليه وسلم هم من جهة فاطمة رضي الله عنها ..اما لوط عليه السلام فقد كان من البيت ..ولكن في قصة نوح عليه السلام مع ابنه الذي هو منصلبه ينفي الله تعالى نسب الصلب((( انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح))) ويثبت تعالى نسب النوالاة والاتباع ..فيستجد معنا هنا انتساب جديد للانبياء هو نسب موالاتهم واتباعهم قال النبي صلى الله عليه وسلم – ان آل فلان ليسو لي بأولياء...الحديث-ثم ان معنا نسب اخر وهو نسب وحدة الاصل لان الله خلق الناس من ادم وادم عليه السلام من التراب كما في الحديث وهناك ايضا نسب اخوة الدين لقول النبي صلى الله عليه وسلم بما معناه – نحن معشر الانبياء اخوة لعلات امهاتنا شتى وديننا واحد=فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وحدة الدين بمثابة الاب الجامع وتعدد الشرع بمثابة الامهات ..وكذلك هناك نسب وحدة النهاية قال تعالى ((( فاذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون))) المؤمنون
قال ابن القيم في زاد المعاد ج1م2374
وبالجملة: فثبوتُ أحكام النسب من وجهٍ لايستلزمُ ثُبوتَها من كل وجه، أو من وجه آخر، فهؤلاء نساءُ النبـي هُن أُمهاتُ المؤمنين في التحريم والحُرمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلوَ بهن، ولا ينظرَ إليهن، بل قد أمرهُن الله بالاحتجابِ عَمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن، ومَن بـينهن وبـينه رضاع، فقال تعالى {وَإذَا سَأَلتُمُوهُن مَتَاعاً فَاسأَلُوهُن مِن وراءِ حِجَابٍ}، ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن البتة، فليس بناتُهُن أخوات المؤمنين يَحرُمن على رجالهم، ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عَليهن بناتُهُن، ولا أخواتُهُن وإخوتهن خالاتٍ وأخوالاً، بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين، وقد كانت أُمُّ الفضل أختُ ميمونَة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العباس، وكانت أسماء بنتُ أبـي بكر أختُ عائشة رضي الله عنها تحتَ الزبـير، وكانت أم عائشة رضي الله عنها تحتَ أبـي بكر، وأمُّ حفصةَ تحت عمر رضي الله عنه، وليس لرجل أن يتزوج أُمة، وقد تزوجَ عبدُ الله بن عمر وإخواته، وأولاد أبـي بكر، وأولاد أبـي سفيان من المؤمنات، ولو كانوا أخوالاً لهن، لم يجز أن ينكحوهن، فلم تنتشر الحُرمة من أمّهات المؤمنين إلى أقاربهنّ، وإلا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بـين الأُمة وبـينهن ثبوتُ غيره من الأحكام.
ومما يدلّ على ذٰلِكَ أيضاً قولُه تعالى في المحرمات {وحَلاَئِلُ أَبنَائكُمُ الذِينَ مِن أصلابِكُم}.
ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذا قُيدَ بكونه ابن صُلب، وقصدُ إخراجِ ابن التبني بهذا لا يمنع إخراجَ ابن الرضاع، ويوجب دخوله، وقد ثبت في «الصحيح»: أن النبـي أمر سَهلَة بنتَ سُهَيل أن تُرضِعَ سالماً مولَى أبـي حذيفة ليصير مَحرَماً لها،
فلسفة الفيض نجوم الفن والسينما وقبور الاولياء
ان لفلسفة الفيض عند هؤلاء الفلاسفة حديث ذي شجون ..اذ افترض هؤلاء ان للاشخاص المبدعين والموهوبين والمميزين وسمونهم بالاقطاب او الاوتاد او الاولياء او الابدال او الحكماء..اذ ان هناك منازل واحوال ومقامات على شكل رتب يتدرج فيها المريدين في هذه الاحوال والمنازل والمقامات التي تميز هؤلاء الماسونيين وهو الاسم الجامع لهم ..يمكننا ان نميز مدرستين اساسيتين لهذا الفيض
الفيض عند اقطاب المدرسة الرومية بيغ بن ( فلسفة العاشق والمعشوق)
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية في موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ج1 ص298
ان الاول – بنظرهم- محرك للعالم حركة الشوق كتحريك المحبوب لمحبه والامام المقتدي به للمؤتم المقتدي به وبهذا اثبتوه وجعلوه علة للعالم حيث قالوا ان الفلك لايقوم بالحركة الارادية والحركة الارادية لاتتم بالمراد المحبوب الذي يحرك المريد حركة اشتياق—
حيث جعلوا الشوق والعشق والحب الاصل المحرك الارادة ..ولكنهم لم يميزوا بين المحبة التي يرضى الله الله تعالى بها ويحبها بالمراد الشرعي وبين المحبة المتعلقة بالمراد الكوني والتي تحتمل الخير والشر والصلاح والفساد ...وهذا بنظرهم يحتاج الى ان يتدرج المحبوب الذي تتشبه به المحبين والمنجذبين والعشاق ..في مراتب المنازل والاحوال والمقامات الفلكية حتى يصبح نجما او كوكبا يدور في مداره الالاف من المحبين والعشاق ...الامر الذي جعل اهل السينما والفن والغناء هم النجوم والكواكب اللذين يدور في فلكهم الاتباع المحبين والعشاق ..وبرز دور الفاطميين في مصر بافلام السينما والمسلسلات التي تعزز هذا الاصل الفلسفي العشقي الحبي بين الحبيب والحبيبه ..لتصبح جل الافلام والمسلسلات المصرية القديمة تدور في فلك الحب والغرام والعشق
.ولذا نجد ان الفاطميين في مصر كانوا هم السباقين لاحياء هذه الفلسفة منذ الاربعينات من خلال الافلام والاغاني ..حتى انهم كانوا يسمون اولئك الفنانين ولا يزالوا بالنجوم ..وكانت ام كلثوم تسمى بكوكبة الشرق ..ولا زلت اتذكر كلام الدكتور سمير السكنيدي حينما قال ان المصريين ابان الحرب العربية الاسرائيلية كانوا في حالة برزخية – الفناء- مع اغاني ام كلثوم في الوقت الذي كان فيه الاسرائيليين يستعدون لضرب مصر ..واثرت هذه الفلسفة على العرب كثيرا بسبب ذلك الغزو السينمائي والغنائي والفني بشكل عام ..واصبح هؤلاء النجوم فعلا محركين لارادات الناس بسبب ضعف الاعتقاد والعمل بالمراد الديني الامري ..ولعل كل واحد من تأثر بالاغاني الوطنية والعشقية والافلام المصرية في فترة ما من حياته بسبب ضعف المراد الديني في الواحد منا اما لجهل او لاغترار بهذه الفلسفة او لضعف ونقص دين ولا حولى ولا قوة الا بالله ..وهذا البعد الاول الذي ظهر في هذه المسألة – فلسفة الفيض عند اقطاب المدرسة الرومية بيغ بن-
اما البعد الثاني فهو زيارة القبور والاموات منهم – أي من هؤلاء الاقطاب والاوتاد والنجوم – والذين لايزال فيضهم المعنوي يفيض بأشعاعاته بعد مماتهم ..من خلال تقبيب القبور وبناء الاضرحة عليها كالحسينيات في مصر والعراق ..الخ
قال ابن القيم في اغاثة اللهفان ج1 ص260
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابى وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب فى عبادتها.
وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذى أوجب لعباد القبور اتخاذها أعياداً، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها. وهو الذى قصد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون فى طريقه وناقضوه فى قصده. وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى شق، وهؤلاء فى شق.
وهذا الذى ذكره هؤلاء المشركون فى زيارة القبور هو الشفاعة التى ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به. فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذى بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم.
قال تعالى: {أَمِ اتخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ} [الزمر:43-44].
والاتصال الذي يتكلمون عنه هو ان تصبح تابعا فلكيا في مدار ذلك الولي او النجم فيحصل لك من الفيض الاشعاعي عند الزيارة والتي يجزمون انها محسوسة حال زيارتهم للقبور وممارسة طقوس الزيارة ,والحاصل ان الاجسام حال تحللها تنبعث منها اشعاعات ..فيحصل ان هذه الاشعاعات تصطدم بالاشعاعات التي في الاحياء.فيحصل تفاعل سلبي بسبب دخول الشيطان كلما قوت المحبة والعشق والتيمم في الواحد فتحصل له من الوسوسة البصرية والسمعية من الشيطان فيظن انها كرامات فيضية اشعاعية من صاحب القبر
قال ابن القيم في اغاثة اللهفان ج1 ص610
وأصل الغى من الحب لغير الله، فإنه يضعف الإخلاص به، ويقوى الشرك بقوته، فأصحاب العشق الشيطانى لهم من تولى الشيطان والإشراك به بقدر ذلك، لما فيهم من الإشراك بالله، ولما فاتهم من الإخلاص له، ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد، ولهذا ترى كثيرا منهم عبدا لذلك المعشوق، متيما فيه. يصرخ فى حضوره ومغيبه: أنه عبده، فهو أعظم ذكرا له من ربه، وحبه فى قلبه أعظم من حب الله فيه، وكفى به شاهدا بذلك على نفسه:
{بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه} [القيامة: 14- 15].
فلو خير بين رضاه ورضا الله، لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه، يسخط ربه بمرضاة معشوقه، ويقدم مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه، فإن فضل من وقته، وكان عنده قليل من الإيمان، صرف تلك الفضلة فى طاعة ربه، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها، وأهمل أمر الله تعالى، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس، ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة وخسيس، فلمعشوقه لبه وقلبه، وهمه ووقته، وخالص ماله، وربه على الفضلة، قد اتخذه وراءه ظهريا، وصار لذكره نسيا، إن قام فى خدمته فى الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجى معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق. ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف فى الصلاة على الجمر من ثقلها عليه، وتكلفه لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها، ناصحا له فيها، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها.
ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أندادا، يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله.
وعشقهم يجمع المحرمات الأربع: من الفواحش الظاهرة، والباطنة، والإثم، والبغى بغير الحق، والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا، والقول على الله ما لا يعلمون، فإن هذا من لوازم الشرك، فكل مشرك يقول على الله ما لا يعلم. فكثيرا ما يوجد فى هذا العشق من الشرك الأكبر الأصغر، ومن قتل النفوس، تغايرا على المعشوق، وأخذ أموال الناس بالباطل ليصرفها فى رضا المعشوق، ومن الفاحشة والكذب والظلم مالا خفاء به.
وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتشريك بينه وبين غيره فى المحبة، ومن محبة ما يحب لغير الله، فيقوم ذلك بالقلب، ويعمل بموجبه بالجوارح، وهذا هو حقيقة اتباع الهوى. وفى الأثر.
«مَا تحْتَ أدِيمِ السَّماءِ إلهٌ يْعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعُ ».
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللهُ عَلَى عْلِمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةَ فَمَنَ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23].
وإذا تأملت حال عشاق الصور المتيمين فيها، وجدت هذه الآية منطبقة عليهم، مخبرة عن حالهم.
قال بعض العلماء: ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله، أو محبة بشر مثلك، أما محبة الله فهى التى خلق لها العباد، وبها غاية سعادتهم، وكمال نعيمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى، فإن فيه من المشاكلة والمناسبة بين العاشق وبينه ما مثله وبين جنس آخر من المخلوقات. ولهذا لا يعرف فى محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحب فى الجنس ما يزيل العقل، ويفسد الإدراك، ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب، وإنما يعرف ذلك فى محبته لجنسه، فتستوعب قلبه، وتسلب لبه، ويصير لمعشوقه سامعاً مطيعاً كما قيل:
إنَّ هَوَاكَ الَّذِى بِقَلبىصَيَّرَنِى سَامِعاً مُطِيعَا
ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق، حتى يبذل نفسه، ويسلمها للتلف فى طاعة معشوقه، كما يبذل المجاهد نفسه لربه، حتى يقتل فى سبيله، وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد قال فى الحديث الذى رواه أحمد وغيره:
«شَارِبُ الْخَمرِ - أو قَال مُدْمِنُ الْخَمْرِ - كَعَابِدِ وَثَنٍ ».
ومر على بن طالب رضى الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال «ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون؟ ».
الفيض عند اقطاب المدرسة الفارسية ( فلسفة العقل الفعال)برج ايفل
حيث يرى هؤلاء ان الاقطاب والاوتاد والابدال من الاولياء والحكماء لهم فيض باطني ولو لم يتكلموا بأصوات ..والسبب انهم يعتقدون ان كلام الله تعالى كما يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في ج1 ص393رسائل ومسائل
مذهب الفلاسفة والمتكلمين في كلام الله وفي الخلق والتكوين:
والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعاً كثيراً. والطوائف الكبار نحو ست فرق، فابعدها عن الإِسلام قول من يقول من المتفلسفة والصابئة أن كلام الله إنما هو ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال، وإما من غيره، وهؤلاء يقولون: إنما كلم الله موسى من سماء عقله أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج. وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية،
وقد احسن رحمه الله اذ رد عليهم في
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في رسائل وسائل ابن تيمية ج2ص104
المقام الأول في خطأ القائلين بأن العرش هو الفلك التاسع:
إن لقائل أن يقول لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية الشكل لا بدليل شرعي ولا دليل عقلي، وإنما ذكر طائفة من المتأخرين الذين نظروا في علم الهيئة وغيره من أجزاء الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة وأن التاسع ــــ وهو الأطلس ــــ محيط بها مستدير كاستدارتها، وهو الذي يحركها الحركة المشرقية، وإن كان لكل فلك حركة تخصه غير هذا الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء ذكر عرش الله وذكر كرسيّه وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن: أن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أن ليس وراء ذلك التاسع شيء إما مطلقاً وإما أنه
جميع الحقوق محفوظة لشركة العريس للكمبي ليس وراءه مخلوق، ثم أن منهم من رأى أن التاسع هو الذي يحرك الأفلاك كلها فجعلوه مبدأ الحوادث وزعموا أن الله تعالى يحدث فيه ما يقدره في الأرض أو يحدثه في النفس التي زعموا أنها متعلقة به، أو في العقل الذي زعموا أنه صدر عنه هذا الفلك، وربما سماه بعضهم الروح، وربما جعل بعضهم ذلك النفس هو اللوح المحفوظ كما جعل العقل هو العلم، وتارة يجعلون اللوح هو العقل الفعال العاشر الذي لفلك القمر والنفس المتعلقة به. وربما جعلوا ذلك بالنسبة إلى الحق كالدماغ بالنسبة إلى الإِنسان يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون، إلى غير ذلك من المقالات التي قد شرحناها وبيَّنا فسادها في غير هذا الموضع. ومنهم من يدّعي أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ويكون كاذباً فيما يدعيه، وإنما أخذ ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليداً لهم أو موافقة لهم على طرقهم الفاسدة، كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم.
وقد ينتحل المرء في نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفاً كما ينتحل النصراني التثليث الذي يعتقده، وقد يرى ذلك في منامه فيظنه كشفاً، وإنما يخيل لما اعتقده وكثير من أرباب الاعتقادات الفاسدة إذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفوسهم فتتمثل لهم اعتقاداتهم فيظنونها كشفاً، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن ما ذكروه من أن العرش هو الفلك التاسع قد يقال إنه ليس لهم عليه دليل لا عقلي ولا شرعي، أما العقلي فإِن أئمة الفلسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه وما لم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه.
مثال ذلك أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلي يكسف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة على أفلاك مختلفة، حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك كفلك التدوير وغيره، فأما ما كان موجوداً فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته فهم لا يعلمون نفيه ولا إثابته بطريقه. وكذلك قول القائل إنه حركة التاسع مبدأ الحوادث خطأ وضلال على أصولهم، فإِنهم يقولون إنه الثامن له حركة تخصه بما فيه من الثوابت، ولتلك الحركة قطبان غير قطبي التاسع، وكذلك السابع والسادس.
وحجة هؤلاء ضئيلة في شأن الخلق وهي من اية النور لقول في تفسير قوله تعالى(((يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار))) قال ابن كثير قال شمر بن عطية جاء ابن عباس الى كعب الاحبار فقال حدثني عن قول الله تعالى (((يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار))) قال يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم انه نبي....ولعل هذا ما يفسر عدم تكلم البهرة كبرهان الدين للناس عن دعوتهم لانهم يرون ان اساطين دينهم يكادون يبينون للناس وذلك بحسب استعداد القوابل عندهم- أي الضروف الموضوعية والذاتية ان صح التعبير-
وقد بين شيخ الاسلام وجه الصواب والخطأ في كلامهم حيث قال رحمه الله ج2 ص105
بطلان قولهم بما يترتب على حركات الأفلاك وأشكالها:
وإذا كان لكل فلك حركة تخصه والحركات المختلفة هي سبب الأشكال الحادثة المختلفة الفلكية، وتلك الأشكال سبب الحوادث السفلية، كانت حركة التاسع جزء السبب كحركته، فالأشكال الحادثة في الفلك كمقارنة الكوكب للكوكب في درجة واحدة ومقابلته له إذا كان بينهما نصف الفلك وهو مائة وثمانون درجة وتثليثه إذا كان بينهما ثلث الفلك مائة وعشرون درجة، وتربيعه له إذا كان بينهما ربعه تسعون درجة، وتسديسه له إذا كان بينهما سدس الفلك ستون درجة ــــ وأمثال ذلك من الأشكال ــــ إنما حدثت بحركات مختلفة، وكل حركة ليست عن الأخرى، إذ حركة الثامن التي تخصه ليست عن حركة التاسع وإن كان تابعاً له في الحركة الكلية كالإِنسان المتحرك في السفينة إلى خلاف حركتها. وكذلك حركة السابع التي تخصه ليست عن التاسع ولا عن الثامن، وكذلك سائر الأفلاك فإِن حركة كل واحد التي تخصه ليست عما فوقه من الأفلاك، فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع كما زعمه من ظن أنه العرش؟ كيف والفلك التاسع عندهم بسيط متشابه الأجزاء لا اختلاف فيه أصلاً، فكيف يكون سبباً لأمور مختلفة لا باعتبار القوابل وأسباب أخر، ولكن هم قوم ضالون يجعلونه مع هذا ثلثمائة وستين درجة، ويجعلون لكل درجة من الأثر ما يخالف الأخرى لا باختلاف القوابل، كمن يجيء إلى ماء واحد فيجعل لبعض أجزائه من الأثر ما يخالف الآخر لا بحسب القوابل بل يجعل أحد جزئيه مسخناً والآخر مبرداً، والآخر مسعداً، والآخر مشقياً، وهذا مما يعلمون هم وكل عاقل أنه باطل وضلال، وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر فوق الأفلاك التسعة كأن يجزم أن ما أخبرت به الرسل من العرش هو الفلك التاسع رجماً بالغيب وقولاً بلا علم.
هذا كله على تقدير ثبوت الأفلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة، إذ في ذلك من النزاع والاضطراب وفي أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه، وإنما نتكلم على هذا التقدير أيضاً فالأفلاك في أشكالها وإحاطة بعضها ببعض من جنس واحد، فنسبة السابع إلى السادس كنسبة السادس إلى الخامس. وإذا كان هناك فلك تاسع فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع.
والسبب كما يقول ابن تيمية رحمه الله في موضع اخر ج1 ص262 فصل
وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أنّ كل مولود يولد على الفطرة الحنيفية هو الذي تقوم الأدلة العقلية على صحته، وأنه كما أخبر به الصادق المصدوق. ومن خالف ذلك فقد غلط، وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً. وقد يحصل له منها ما يكون باطلاً. إذ اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهي الحق. والخبر عنها يسمّى صدقاً. وقد تكون غير مطابقة وهي الباطل. والخبر عنها يسمّى كذباً. والإرادات تنقسم إلى ما تكون نافعة له متضمنة لمصلحته، ومرادها هو الخير والحسن. وإلى ما هو ضارة له مخالفة لمصلحته، ومرادها هو الشرّ والقبح.
وإذا كان الإنسان تارة يكون معتقداً للحقّ مريداً للخير، وتارة يكون معتقداً للباطل مريداً للشرّ، فلا يخلو إمّا أن تكون نسبة نفسه الباطنة إلى النوعين نسبة واحدة بحيث لا يكون فيها مرجحاً لأحدهما على الآخر، أو تكون نفسه مرجحة لأحد الأمرين على الآخر.
فإن كان الأول لزم أن لا يوجد أحد النوعين إلاَّ بمرجح منفصل عنه. فإذا قدّر رجحان أحدهما ترجّح هذا، والآخر ترجّح هذا. فإما أن يتكافأ المرجّحان أو يترجّح أحدهما. فإن تكافآ لزم أن لا يحصل واحد منهما، وهو خلاف المعلوم بالضرورة. فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يعتقد الحق ويصدّق وأن يريد ما ينفعه، وعرض عليه أن يعتقد الباطل ويكذب ويريد ما يضرّه، مال بفطرته إلى الأول ونفر عن الثاني. فعُلم أن فطرة الإنسان قوّة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة الخير. وحينئذ الإقرار بوجود فاطره وخالقه، ومعرفته، ومحبته، والإيمان به، وتعظيمه، والإخلاص له، إمّا أن يكون من النوع الأول، أو الثاني. وكونه من الثاني معلوم الفساد بالضرورة. فتعين أن يكون من الأول. وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي محبته ومعرفته والإيمان به، وتعظيمه، والإخلاص له، إمّا أن يكون من النوع الأول، أو الثاني. وكونه من الثاني معلوم الفساد بالضرورة. فتعين أن يكون من الأول. وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي محبته ومعرفته والإيمان به والتوسّل إليه محابّه.
الوجه الثاني: أن عبادته وحده بما يحبه إما أن تكون أكمل للناس علماً و قصداً أو الإشراك به أكمل. والثاني معلوم الفساد بالضرورة، فتعيّن الأول، وهو أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي توحيده وتألّهه وتعظيمه.
الوجه الثالث: أن الحنيفية التي هي دين الله ولا دين له غيرها إما أن تكون مع غيرها من الأديان متماثلين، أو الحنيفية أرجح، أو تكون مرجوحة، والأول والثالث باطلان قطعاً. فوجب أن يكون في الفطرة مرجّح يرجّح الحنيفية. وامتنع أن يكون نسبتها ونسبة غيرها من الأديان إلى الفطرة سواء.
الوجه الرابع: أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه، وأنّ ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعلّم الأبوين ولا غيرهما. بل لو فرض أن الإنسان تربّى وحده ثم عقل وميّز لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ضدّه، كما تجد الصبي عند أول تمييزه يعلم أن الحادث لا بدّ له من مُحدث. فهو يلتفت إذا ضُرب من خلفه لعلمه أن تلك الضربة لا بدّ لها من ضارب. فإذا شعر به بكَى حتى يقتص له منه فيسكن. فقد ركّز في فطرته الإقرار بالصانع، وهو التوحيد، ومحبة القصاص، وهو العدل. وإذا ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له، من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك. بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقوٍّ لها. وقد بيّنا أن هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعيّنها ويذكرها ويقوّيها. فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة. فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولا بدّ بما فيها من المقتضى لذلك. فمن دعا جائعاً أو ظمآن إلى شراب وطعام لذيذ نافع لا تبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بدّ.
الوجه الخامس: أنا نعلم بالضرورة أن الطفل حين ولادته ليس له معرفة بهذا الأمر ولا عنده إرادة له. ويعلم أنه كلما حصل فيه قوة العلم والإرادة حصل له من معرفته بربّه ومحبته ما يناسب قوة فطرته وضعفها. وهذا كما يشاهد في الأطفال من محبة جلب المنافع ودفع المضارّ بحسب كمال التمييز وضفعه. فكلاهما أمر حاصل مع النشأة على التدريج شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى حدّه الذي ليس في الفطرة استعداد لأكثر منه. لكن قد يتفق لكثير من الفطر موانع متنوعة تحول بينها وبين مقتضاها وموجبها.
الوجه السادس: أنه من المعلوم أن النفوس إذاحصل لها معلم وداع حصل لها من العلم والإرادة بحسبه. ومن المعلوم أن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير. ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية. فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول. فإن لحصوله في المحلّ شروطاً مقبولة له. وذلك القبول هو كونه مهيّئاً له مستعداً لحصوله فيه. وقد بيّنا أنه يمتنع أن يكون سببه ذلك وضدّه إلى النفس سوا الوجه السابع: أنه من المعلوم مشاركة الإنسان لنوع الحيوان في الإحساس والحركة الإرادية وجنس الشعور. وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوَى إحساساً وحياة وشعوراً من الإنسان. وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحقّ وإرادته دون غيره. فلولا قوة في الفطرة والنفس الناطقة اختصّ بها الإنسان دون الحيوان يقبل بها أن يعرف الحق ويريد الخير لكان هو والحيوان في هذا العدم سواء.
وحينئذ يلزم أحد أمرين كلاهما ممتنع: إمّا كون الإنسان فاقداً لهذه المعرفة والإرادة كغيره من الحيوانات، أو تكون حاصلة لها كحصولها للإنسان. فلولا أن في الفطرة والنفس الناطقة قوة تقتضي ذلك لما حصل لها. ولو كان بغير قوة ومقتض منها لا يمكن حصوله للجمادات والحيوانات لكن فاطرها وبارئها خصّها بهذه القوة القابلة وفطرها عليها.
يوضحه الوجه الثامن: أنه لو كان السبب مجرد التعليم من غير قوة قابلة لحصل ذلك في الجمادات والحيوانات، لأن السبب واحد ولا قوة هناك يهيـى بها هذا المحل من غيره، فعلم أن حصول ذلك في محلّ دون محلّ هو لاختلاف القوابل والاستعدادات.
الوجه التاسع: أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم المحض مُحال. فلا بدّ من وجود المحلّ وحصوله في موجود غير قابل مُحال. بل لا بدّ من قبول المَحلّ، وحصوله من غير مدد من الفاعل إلى القابل. فلو قطع الفاعل إمداده لذلك المحل القابل لم يوجد ذلك القبول. فلا بدّ من الإيجاد والإعداد والإمداد. فإذا استحال وجود القبول من غير إيجاد المحلّ استحال وجوده من غير إعداده وإمداده. والخلاق العليم سبحانه هو الموجد المعد الممد.
الوجه العاشر: أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم والإرادة. بل لا بدّ فيها من قوة تقبل بها ذلك، لا تكون هي المُعطية لتلك القوة. وتلك القوة لا تتوقف على أخرى. وإلاَّ لزم التسلسل الممتنع والدور الممتنع، وكلاهما ممتنع. فها هنا ثلاثة أمور؛ أحدها: وجوزد قوة قابلة. الثاني: أن تلك القوة ليست هي المعطية لها. الثالث: أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى. فحينئذ لزم أن يكون فاطرها وبارئها قد فطرها على تلك القوة وأعدّها بها لقبول ما خلقت له. وقد علم بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضدّه ليسا على السواء.
الوجه الحادي عشر: أنا لو فرضنا توقّف هذه المعرفة والمحبة على سبب خارج أليس عند حصول ذلك السبب يوجد في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضدّه. فهذا الترجيح والمحبة والأمر مركوز في الفطرة.
الوجه الثان عشر: أنا لو فرضنا أنه لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج لكانت الفطرة مقتضية لإرادة المصلح وإيثاره على ما سواه. وإذا كان المقتضي موجوداً والمانع مفقوداً وجب حصول الأثر. فإنه لا يتخلّف إلاَّ لعدم مقتضيه، أو لوجود مانعه. فإذا كان المانع زائلاً حصل الأثر بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم.
الوجه الثالث عشر: أن السبب الذي في الفطرة لمعرفة الله ومحبته والإخلاص له إما أن يكون مستلزماً لذلك، وإما أن يكون مقتضياً بدون استلزام، أو يستحيل أن لا يكون له أثر البتة. وعلى التقديرين يترتّب أثره عليه، إمّا وحده على التقدير الأول، وإمّا بانضمام أمر آخر إليه على التقدير الثاني.
الوجه الرابع عشر: أن النفس الناطقة لا تخلو عن الشعور والإرادة، بل هذا الخلف ممتنع فيها. فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها. فلا يتصوّر إلاَّ أن تكون شاعرة مريدة. ولا يجوز أن يقال: إنها قد تخلو في حق خالقها وفاطرها عن الشعور بوجوده وعن محبته وإرادته، فلا يكون إقرارها به ومحبته من لوازم ذاتها. هذا باطل قطعاً.
فإن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها. وكونها مُريدة هو من لوازم ذاتها. فإنها حيّة وكلّ حي شاعر متحرك بالإرادة. وإذا كانت كذلك فلا بدّ لكل مريد من مراده. والمراد إمّا أن يكون مراداً لنفسه أو لغيره. والمراد لغيره لا بدّ أن ينتهي إلى مراد لنفسه قطعاً للتسلسل في العِلَل الغائية، فإنه مُحال كالتسلسل في العلل الفاعلة.
وإذا كان لا بدّ للإنسان من مراد لنفسه فهو الله الذي لا إله إلاَّ هو الذي تألّهه النفوس، وتحبّه القلوب، وتعرفه الفطر، وتُقَرِّبه العقول، وتشهد بأنه ربّها ومليكها وفاطرها. فلا بدّ لكلّ أحد من إله يألهه وصمد يصمد إليه، والعباد مفطورون على محبة الإله الحق. ومعلوم بالضرورة أنهم ليسوا مفطورين على تألّه غيره. فإذاً إنما فطروا على تألّهه وعبادته وحده. فلو خلوا وفطرهم لما عبدوا غيره ولا تألّهوا سواه.
يوضحه الوجه الخامس عشر: أنه يستحيل أن تكون الفطرة خالية عن التألّه والمحبة. ويستحيل أن يكون فيها تألّه غير الله لوجوه:
منها أن ذلك خلاف الواقع.
ومنها أن ذلك المخلوق ليس أولى أن يكون إلهاً لكل الخلق من المخلوق الآخر.
ومنها أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل كل طائفة تعبد ما تستحسنه. ومنها أن ذلك المخلوق إن كان ميتاً فالحي أكمل منه فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة الميت، وإن كان حياً فهو أيضاً مريد فله إله يألهه وحينئذ فلزم الدور الممتنع، أو التسلسل الممتنع، فلا بدّ للخلق كلهم من إله يألهوه ولا يأله هو غيره. وهذا برهان قطعي ضروري.
فإن قلت: هذا يستلزم أنه لا بدّ لكلّ حيّ مخلوق من إله، ولكن لمَ لا يجوز أن يكون مطلوب النفس هو مطلق التألّه والمألوه لا إلهاً معيناً، كما تقوله طوائف الاتحادية؟
قلت: هذا يتبين بالوجه السادس عشر: وهو أن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه. فالأول كإرادة العطشان والجائع والعاري لنوع الشراب والطعام واللباس. فإنه إنما يريد النوع، وحيث أراد المُعَيَّن فهو القدر المشترك بين أفراده. وذلك القدر المشترك كلّي لا وجود له في الخارج، فيستحيل أن يراد لذاته إذ المراد لذاته لا يكون إلاَّ معيناً، ويستحيل أن يوجد في اثنين. فإن إرادة كلّ واحد منهما لذاته تنافي إرادته لذاته. إذ المعنى بإرادته لذاته أنه وحده هو المراد لذاته الخاصة. وهذا يمنع أن يراد معه ثان لذاته.
وإذا عُرف ذلك فلو كان القدر المشترك بين أفراد النوع أو بين الاثنين هو المراد لذاته لزم أن يكون ما يختص به أحدهما ليس مراداً لذاته. وكذلك ما يختصّ به الآخر. والموجود في الخارج إنما هو الذات المختصّة لا الكليّ المشترك. تعلّق الثالثة بالقدْر المشترك لم يكن للخلف في الخارج إله. ولكان إلههم أمراً ذهنياً وجوده في الأذهان لا في الأعيان.
وهذا هو الذي تألّهه طوائف أهل الوحدة والجهمية الذين أنكروا أن يكون الله تعالىٰ لا خارج العالم ولا داخله، فإن هذا إنما هو إله مفروض يفرضه الذهن، كما يفرض سائر الممتنعات الخارجة، وتظنّه واجب الوجود وليس هو ممكن الوجود فضلاً عن وجوبه.
وبهذا يتبين أن الجهمية وإخوانهم من القائلين بوِحْدة الوجود ليس لهم إله مُعَيّن في الخارج يألهونه ويعبدونه. بل هؤلاء أَلِهوا الوجود المطلق الكلّي، وأولئك ألهوا المعدوم الممتنع وجوده. وأتباع الأنبياء إلههم الله الذي لا إله إلاَّ هو الذي:
{خَلَقَ الأرضَ والسَّمواتِ العُلَى * الرَّحمنُ على العَرْشِ اسْتَوى * له ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ وما بينهما وما تَحْتَ الثَّرَى * وإنْ تَجْهَرْ بالقوْلِ فإنَّه يعلمُ السِّرَّ وأَخْفَى * ٱللَّهُ لا إلهَ إلاَّ هو له الأسْماءُ الحُسْنَى} . هو الذي فطر القلوب على محبته والإقرار به وإجلاله وتعظيمه وإثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن صفات النقائص والعيوب، وعلى أنه فوق سمواته، بائن من خلقه، تصعد إليه أعمالهم على تعاقب الأوقات، وترفع إليه أيديهم عند الرغبات، يخافونه من فوقهم ويرجون رحمته تنزل إليهم من عنده فهممهم صاعدة إلى عرشه، تطلب فوقه إلهاً عليّاً عظيماً قد استَوى على عرشه واستولَى على خلقه:
{يدبّرُ الأمرَ منَ السماءِ إلى الأرضِ، ثُمَّ يَعرجُ إليه في يومٍ كانَ مِقدارُهُ ألفَ سنةٍ ممّا تعدُّون ذلك عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهادةِ العَزيزُ الرَّحِيمُ} . والمقصود أنه إذا لم يكن في الحسِّيات الخارجة عن الأذهان ما هو مراد لذاته لم يكن فيها ما يستحق أن يألهه أحد فضلاً عن أن يكون فيها ما يَجب أن يألهه كلّ أحد. فتبين أنه لا بدّ من إله معيّن هو المحبوب المراد لذاته. ومِنَ الممتنع أن يكون هذا غير فاطر السموات والأرض. وتبيّن أنه لو كان في السموات والأرض إله غيره لفسدتا. وأن كلّ مولود يولد على محبّته ومعرفته وإجلاله وتعظيمه. وهذا دليل مستقلّ كاف فيما نحن فيه. وبالله التوفيق
ثانيا صنع الازمات
يرى هؤلاء الحكماء – كما يسمون انفسهم- ان يوسف عليه السلام ومع ما كان من نسبه الشريف وما كان يحمله من خير وحكمة في ادارة البلاد والعباد ..سوى ان اهل مصر الضالين لم يلتفتوا اليه ولم يتصوروا ان يأتيهم الخير والنجاة منه عليه السلام..فا قتضت الحكمة الكونية تقدير ازمة متمثلة بواقع كوني متمثل بسبع سنوات ممطرة وسبع اخرى غير ممطرة ..واوحت الحكمة الكونية بهذه المشكلة الى الملك وجعلت مفتاح الحل بيد يوسف عليه السلام..
لقد فلسف هؤلاء الحكماء هذه النصوص كما يلي
1- يصح صنع الازمات الكونية والايحاء بها الى القائمين وحصر مفتاح حلها بيد طائفةمعينة يراد لها التمكين
2- البطالة والجوع والفراغ من الاسباب لقبول دين الاخرين ..فما كان لشعب مصر ان يقبل بدين يوسف عليه السلام لولا ان صنع الله تعالى بحكمته الكونية تلك الازمة والتي قدر تعالى فيها ان تكون على الشعب المصري سبع سنوات لايعملون ويقتاتون من المخزون ..لان البطالة والفراغ والقلق من الاسباب التي تلزم الآخرين بالاستماع اليك وقبول دينك..هل عرفت الان الاستراتيجية المعتمدة في تجويع الشعب المصري واليمني وتكثير نسبة البطالة والعطالة
|