مسألة حول الصوم للدكتور عايض القرني نقل محمد الصلاحي 4/9/2008م
30 مسألة حول الصوم للدكتور عايض القرني نقل محمد الصلاحي 4/9/2008م
المسألة الأولى: فرضية الصيام، وأدلة ذلك، وحكمه، ومقاصده
قال الله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).
يخاطب الله تبارك وتعالى في هذه الآية الأمة المسلمة، آمراً أفرادها بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام، والشراب، والوقاع، بنية خالصة لله، عز وجل. قال أبو عمر بن عبد البر : أما الصيام في الشريعة: فمعناه: الإمساك عن الأكل والشرب، ووطء النساء نهاراً، إذا كان تارك ذلك يريه به وجه الله وينويه، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة (1) ؛ لما فيه من زكاة النفوس، وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة، والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيهم أسوة، فليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض الذي أكمله الله، سبحانه وتعالى، لهم، كما قال تعالى: ((فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)) ولهذا قال هاهنا: ((كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الحديث: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) (1) .
ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم؛ لئلا يشق على النفوس، فتضعف عن حمله، وأدائه، بل في أيام معدودات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان.
وقد روي أن الصيام كان أولاً -كما كانت عليه الأمم قبلنا- من كل شهر ثلاثة أيام، ولم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح عليه السلام، إلى أن نسخ الله تعالى ذلك بصيام شهر رمضان، قال الحسن البصري : لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتب علينا شهراً كاملاً، وأياماً معدودات، عدداً معلوماً. (1)
وقال عطاء عن ابن عباس : ((كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) يعني بذلك أهل الكتاب، ثم بين سبحانه وتعالى حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام (1) .
وفي الحديث عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج) (1) .
وبين فرضيته، عليه الصلاة والسلام، في أحاديث كثيرة، فعن طلحة بن عبيد الله قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل على غيرها؟
قال: لا إلا أن تطوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام شهر رمضان، قال: هل علي غيره؟
قال: لا إلا أن تطوع. قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الزكاة، قال: هل علي غيرها؟
قال: لا إلا أن تطوع، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق) (1) ، وكذلك في حديث ضمام بن ثعلبة : فعن أنس بن مالك قال: (بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟
فقال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟
قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟
قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر) (1) .
وأجمع أهل العلم على فرضية صيام شهر رمضان.
قال ابن عبد البر : وأجمع العلماء على أن لا فرض في الصوم غير شهر رمضان (1) .
وللصيام حكم عظيمة، وفوائد عميمة:
منها: التقوى، كما نص على ذلك مولانا، تبارك وتعالى، بقوله: ((لعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) فإنه من أعظم أسباب غض البصر، وحفظ الفرج، وكسر النفس الشيطانية، والغضبية، والشهوانية، وردها إلى مولاها، وهو: مرغمة للشيطان، وهو: امتثال لأمر المولى، سبحانه وتعالى، وتجربة للنفوس لتحمل المشاق، وفيه أيضاً: انتصار على النفس الأمارة بالسوء؛ فإن العبد إذا صام خالف شهوات النفس، فانتصر عليها.
وفيه: أيضاً تعويد للنفس على الصبر، والقيام بالتكاليف العظيمة، والأمور الجسيمة؛ ليكون المسلم والمسلمة في مسألة امتحان أمام الله، سبحانه وتعالى، وما يحبه ويرضاه.
وفيه: أيضاً تذكر لأحوال البائسين، والمساكين، والفقراء الذين يجوعون، أكثر مما يشبعون، فإن من لا يحس بالجوع، قد لا يدرك ما هم عليه من المشقة والضنك، فمن حكمة الله، عز وجل: أن يذوق الناس ألم الجوع، وألم الظمأ؟
ليتذكر بعضهم بعضاً.
ومن حكم الصوم: أيضاً جمع الأمة من أقصاها إلى أدناها على صيام شهر واحد، يفطر غالبهم في وقت واحد، ويصومون في وقت واحد، فيكون هناك اجتماع للأمة وتوجه لها، ووحدة معنوية وحسية.
والصيام -بعد ذلك- صحة للبدن، فهو يذهب الأخلاط الرديئة من الجسم، ويصفي الدم، ويريح المعدة، وقد قال كثير من أهل الطب، وأيدهم أهل الشريعة: إنه -أي الصيام- من أسباب صحة الجسم وقوته، ولله الحكم البالغة، هذا ما أدركناه، وما لم ندركه أكثر من أسرار شريعة الله، سبحانه وتعالى.
المسألة الثانية: فضل الصيام
في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الصيام جنة، فإذا صام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها) (1) .
وإنما فضل الصيام عند أهل العلم لأسباب منها:
أولاً: أن الصوم لا يقع فيه الرياء، كما يقع في غيره من العبادات، حكاه المازري وغيره من أهل العلم، وقال بعضهم: روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ليس في الصيام رياء) (1) ، وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما يقع بالنية التي تخفى على الناس، فقد يفطر الإنسان دون أن يعلم الناس به.
وقد روى الحديث السابق البيهقي في الشعب (1) من طريق سهل مولى المغيرة بن أبي الصلت عن الزهري ، موصولاً، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ولكن إسناده ضعيف، لجهالة بعض رواته، ولفظه: (الصيام لا رياء فيه، قال الله: هو لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي) . وهذا -لو صح- كان قاطعاً للنزاع.
وقال القرطبي : لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله، أضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: (يدع شهوته من أجلي).
قال ابن الجوزي : جميع العبادات تظهر بفعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شوب خلاف الصوم، وارتضى هذا المازري ، وقرره القرطبي .
ثانياً: أن المراد بقوله: (وأنا أجزي به)، أني أنفرد بعلم مقدار ما لعبدي من الثواب، ومضاعفة الحسنات، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.
قال القرطبي : معناه: أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة، إلى سبعمائة ضعف ، إلى ما شاء الله، إلا الصوم، فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا حديث: (كل عمل ابن آدم يضاعف له، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) (1) ، أي: يجازي به، ولأن الصوم من الصبر، والله تعالى يقول: ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)).
ثالثاً: معنى قوله: (الصوم لي)، أي: أنه أحب العبادات إلي، والمقدم عندي، وكفى بقوله: (الصوم لي) فضلاً للصيام على سائر العبادات، وروى النسائي وغيره من حديث أبي أمامة مرفوعاً: (عليك بالصوم، فإنه لا مثل له) (1) .
رابعاً: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله، قال ابن المنير : التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.
خامساً: أن الاستغناء عن الطعام، وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله، فهو يطعم ولا يطعم، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.
قال بعض أهل العلم: معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام؛ فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي.
سادساً: أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأن ذلك من صفاتهم.
سابعاً: أنه خالص لله تعالى، وليس للعبد فيه حظ، قاله الخطابي .
وقال ابن الجوزي : المعنى: ليس لنفس الصائم فيه حظ بخلاف غيره، فإن لها فيه حظاً؛ لثناء الناس عليه لعبادته، لأنها تظهر، هذا وقد يقع في الصوم الرياء إذا أظهره العبد أمام الناس بقصد جلب الثناء، ولكن المقصود أن وقوع الرياء في الصيام أقل من وقوعه في غيره.
ثامناً: سبب الإضافة إلى الله تعالى: أن الصيام لم يعبد به غير الله تعالى، بخلاف الصلاة، والصدقة، والطواف، وغير ذلك، واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم، وأصحاب الهياكل، والاستخدامات، فإنهم يتعبدون لها بالصيام، وأجيب بأنهم لا يعتقدون ألوهية الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعالة بأنفسها، وهذا الجواب ليس له طائل.
تاسعاً: أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام، وقد روي عن ابن عيينة قال: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة.
عاشراً: أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، فإنه من الأعمال الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله عز وجل، وكثير من الناس لا يعلمون بصيام الصائم، بخلاف الصلاة والحج والزكاة، فإنها تظهر لجمهور الناس.
حادي عشر: أنه كفارة، وقد عقد البخاري على ذلك باباً سماه: (الصوم كفارة)، وأورد حديث حذيفة عنه عليه الصلاة والسلام: (فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة) (1) .
ثاني عشر: أن الله عز وجل -كما صح في الأحاديث- جعل للصائمين باباً في الجنة يسمى الريان، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟
فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد) (1) .
وقد ورد عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) (1) . ومعنى إيماناً: أنه مؤمن بالله عز وجل، فلا يصح صيام الكافر، ومعنى احتساباً: أنه يريد بصيامه وجه الله عز وجل، محتسباً أجره على الله تبارك وتعالى.
المسألة الثالثة: شروط وجوب الصيام
وهي أربعة شروط:
أولها: الإسلام، فلا يجب على الكافر ولا المرتد؛ لأنه عبادة فلا تجب على الكافر كالصلاة، ولأن الله سبحانه وتعالى خاطب بفريضة الصيام المؤمنين فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) ولأن الكافر والمرتد لم يأت بأصل الإسلام، فلا يقبل منه، وعمله مردود عليه؛ لأنه لم يعتقد وحدانية الباري سبحانه وتعالى، ولا صدق برسالة المعصوم عليه الصلاة والسلام.
ثم إنه لا يطالب الكافر -لو أسلم- بما فات عليه في عمره من صلاة وصيام، وكذلك من ارتد فبقي فترة لا يصلي ولا يصوم، ثم عاد إلى الإسلام، فإنه لا يطالب في تلك الفترة بصيام وصلاة ما ترك، بل تكفيه التوبة النصوح، والدخول في الدين.
ثانيها: العقل، فلا يجب على مجنون؛ لأن الله سبحانه وتعالى خاطب أهل العقول، وجعل من شروط القيام بالشرع الحنيف: العقل، فقال سبحانه وتعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) وقال سبحانه وتعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ)) وذكر سبحانه وتعالى العقل في مسألة الاحتجاج فقال: ((وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) ، فمن لا يسمع أو يعقل ومن شابههم لا يطلب منهم القيام بالشرع، وتكاليفه وأحكامه.
ثالثها : البلوغ، فلا يجب على صبي، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث. (رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم) (1) .
وقال بعض أهل العلم: يجب على من أطاقه، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة أنهم كانوا يصومون الصبيان، لكن هذا ليس على وجه الجواب، ولكن على وجه التمرين، والتدريب، والتربية لهؤلاء، فيؤمر الصبي به إذا أطاقه، ويضرب عليه ليعتاده، ولا يجب عليه للخبر المتقدم، بل هو كالصلاة، فإن الصلاة يؤمر بها الصبي في السابعة، ويضرب عليها في العاشرة.
رابعها: الاستطاعة، فإن من لا يستطيع الصوم يسقط عنه، إما بالكلية فيطعم، وإما إلى وقت آخر كالمسافر والمريض، لقوله سبحانه وتعالى: ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)).
المسألة الرابعة: بماذا يعرف دخول شهر رمضان؟
يجب صوم شهر رمضان بأحد ثلاثة أشياء:
- كمال شعبان ثلاثين يوماً إجماعاً، ورؤية هلال رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) (1) .
- ووجود غيم أو قتر في مطلع ليلة ثلاثين من شهر شعبان يحول دونه، لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطررا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له) (1) . يعني، ضيقوا له، من قوله: ((وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)) أي: ضيق عليه رزقه.
وتضييق العدة أن يحسب شعبان تسعة وعشرين يوماً، وكان ابن عمر إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائماً، رواه أبو داود . وابن عمر هو راوي الحديث وعمله به تفسير له. وعنه: لا يصوم، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن غم عليكم فكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً) (1) ، ولأن في أول الشهر شكاً فأشبه حال الصحو، ثم ورد أن الناس تبع للإمام في ذلك، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم تضحون) (1) .
- إن رأى الهلال وحده صام، لقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (1) ، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله، لما قال ابن عمر رضي الله عنهما: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام) (1) .
ولأنه مما طريقه: المشاهدة، فدخل به في الفريضة، فقبل من واحد كوقت الصلاة، والمعتبر في رؤية الهلال: الرؤية البصرية، فإننا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، فلا يعتمد على الحساب في ذلك، وأما الأرصاد التي يقوم بها أهل الفلك، فإنها إذا كانت على رؤية للهلال بأجهزة مكبرة فلا بأس في ذلك قياساً على رؤية العين.
وإن كانت بالحساب (حساب الفلك)، فإن هذا ليس وارداً ولا جائزاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) (1) ، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام عمل هو وأصحابه بالرؤية.
|