ما حسدت أحداً على شيء
الحسد داء اجتماعي خطير ووباء خلقي كبير ما فشى في أمة الا كان نذير هلاكها ولا دب في أسرة إلا كان سبيل فنائها لأنه مصدر كل عداء وينبوع كل شقاء، وهو أمضى سلاح يضرب الشيطان به القلوب فيمزقها ويفرق بينها ويفرز الضغينة والعداوة والنفور ويقتلع من صاحبه المحبة ويفسد عليه دنياه ويضيع عليه أخراه.
قال صلى الله عليه وسلم «دب إليكم داء الأمم قبلك الحسد والبغضاء.. والبغضاء هي الحالقة أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» فالبغضاء تزيل بركة الإيمان والدين كما يزيل الموسى الشعر. أ هـ قاله الحفني فبين صلى الله عليه وسلم أن الحسد داء قديم وأنه من صفات اليهود الذين كانوا يحسدون محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه متى استقر في قلب العبد حلق جميع طاعاته وأزالها، وفي رواية لأحمد: «والذي نفس محمد بيده: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم.. أفشوا السلام بينكم» فأخبر صلى الله عليه وسلم عن حال الحسد وقبحه أن التحابب ينفيه وأن السلام يبعث على التحابب فإنه يذهب الضغائن ويورث الصفاء والمحبة ويقلب العدو صديقاً فصار السلام نافياً للحد ومعناه أن تسلم على من عرفت ومن لم تعرف والله سبحانه وتعالى قسم الأرزاق بين عباده فأغنى بعضهم وأفقر البعض ورفع بعضهم على بعض درجات وهو الحكيم في أفعاله العليم بعباده المحيط بشؤون ملكه البصير بالخلق أجمعين فما بال بعض الناس يحسدون العباد على ما أتاهم الله من قضاه مع أن هذا ينافي الإيمان مغضب لمقسم الأرزاق، وضرر عليك في دينك ودنياك ضرر في الدين يبطل الحسنات ويعرض لسخط الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وأما ضرر في الدنيا فإن صاحبه دائما معذب النفس منغص البال دائم الهم كلما رأى نعمة المحسود يتضاعف همه ويزداد غمه وأما المحسود فلا يضره حسدك ولن تزال نعمته بسببك فالله قدر وتقديره نافذ رضيت أم سخطت ونعمة المحسود باقية حزنت أم فرحت والله ولي النعم واهب المنن وهو خير المعطين ولو كانت النعم تزول بالحسد لما بقى في الدنيا سعيد لان كل ذي نعمة محسود ولما بقى على وجه الأرض مؤمن لان الكفار يرجون زوال إيمانه ويحسدونه على دينه ويقينه ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق.
وقال ابن سيرين: «ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لانه ان كان من أهل الجنة فكيف أحسده على دنياه وهي ****ة في الجنة وان كان من أصحاب النار فكيف أحسده على الدنيا وهو يصير إلى النار» وقال الحسن: يا ابن آدم لم تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار؟ وأما المنافسة في الخير فمشروعة والمسابقة في الفضائل فمطلوبة قال تعالى «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» وقال تعالى «لمثل هذا فليعمل العاملون» والمسابقة تقتضي خوف الفوت بين عبدين يتسابقان في خدمة سيدهما حتى يحظى السابق عنده والمسابقة تكون في الطاعة والنعم الدينية ومنه قوله عليه السلام: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس».
باحث مصري
|