ظهر في الناس اليوم اليأس، وفقد الكثيرون الأمل. وكانت مصائب الأمة ونكساتها، وحروبها وانهزاماتها؛ سبباً في أنْ ينظروا إلى واقعهم بعين السخط والتشاؤم، وأنْ يغضّوا الطرف عن أسباب للنصر وبشائر؛ فخارت منهم القُوى، وتمكّن منهم العِدا. وما أحوجهم إلى استنطاق التاريخ، وقراءة النصوص، ومعرفة البشائر، وليس ذلك ليركنوا للأماني، ويسلكوا درب التواكل، ولكنْ ليعدّوا القوى، ويأخذوا بالأسباب والوسائل، في عزم صادق، وجهد متواصل وفاعل، بعيداً عن اليأس والقنوط الذي هو أول الانكسار، وبداية الانهزام، وقد يكفي العدوَّ من الغنيمة اليأسُ والانكسار؛ ذلك أنّ مَن يئس من النصر لم يعمل من أجله، ومن قنع ورضي بالذل طال لُبثه ومكوثه فيه.
لقد قضت سنة الله العليم، وتدبيرُه الحكيم، أنّ الحق والباطل في صراع وتدافع دائم، وأنّ الباطل قد يكون له في فترةٍ الفوزُ والغلب؛ ابتلاء من الله وتمحيصاً، وتربية للمؤمنين وتطهيراً: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4].
ومتى وُجد الكفر والفتنة فقد فُرضت الحرب والقتال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، والفتنة لن تخلو منها الأرض، بل إنّ الساعة لا تقوم إلا على شرّ الخلق.
وإنْ كانت الخصوم تبحث عن ولي لها ومعين؛ فإنّ وليَّ المؤمن أعظم الأولياء، وما خاب مَن لجأ إلى الله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11].
ولو صَفَت الحياة من المصاعب والمصائب؛ لكان ذلك لأفضل البشر وخير القرون!! لقد مرّ بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم محن وبلاء، وبأساء وضراء، كما مرّ ذلك برسل قبلهم وأنبياء، حتى تاقت نفوسهم إلى الخلاص، وتشوَّقت إلى النصر والنجاة، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. لقد بلغ الضر والبلاء بالمؤمنين في صدر الإسلام مبلغاً عظيماً، وامتُحنوا امتحاناً شديداً، حتى شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الشدة، فقالوا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان مَن قبلكم؛ يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله ليَتِمنّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»(1).
هكذا هي سنة الله التي لا تحابي أحداً، سأل هرقلُ أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالاً، يُدال علينا ونُدال عليه. قال هرقل: كذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لها العاقبة.
ولما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ من مكة إلى المدينة مهاجرَين؛ جُنّ جنون قريش، واستنفرت قواها، وجعلت مائة ناقة لمن يأتيها بأحدهما حياً أو ميتاً، وطمع الناس بهذه الجائزة، ورجا كل منهم أنْ يكون الفائز بها، وكان سراقة ابن مالك ممن نشط لذلك، فانطلق يتبع أثرهما، حتى دنا منهما، فعثرت فرسه، وغاصت يداها في الأرض؛ فعرف أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم محفوظ، وأنّ أحداً لن يناله بسوء؛ فناداهما بالأمان. وقال له الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه مبشِّراً: «كأني بك يا سراقة! تلبس سوارَيْ كسرى»، فوقف سراقة متعجِّباً من هذه النبوءة والبشارة؛ محمد الذي خرج من مكة مطارَداً من قومه وأقرب الناس إليه يعدني سوارَيْ كسرى!! ولكنه اليقين بنصر الله وبموعوده الذي لا يتزلزل عند الملمّات والشدائد. وانقلب الحال فتحوَّل سراقة من عدو طامع، إلى صديق مدافع، ووقف مكانه يصرف الناس عنهما.
وفي غزوة الأحزاب التي أخبر الله عن حال المؤمنين، والشدة التي صاروا فيها، حتى زاغت منهم الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا، إنها الحال التي ابتُلي بها المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً. فلمّا بدؤوا بحفر الخندق بذلاً للأسباب واستعداداً، ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم صخرة صلْدةً بالمِعْول فصدعها، وبرقت منها برقة أضاءت المدينة، فكبَّر الرسول صلى الله عليه وسلم وكبَّر المسلمون، ولما تكرَّر ذلك ثلاث مرات؛ بشَّر ـ عليه الصلاة والسلام ـ المسلمين في ذلك الكرب وتلك الصِّعاب بأنهم سيفتحون مدائن كسرى، وقصور الروم، وقصور صنعاء.
إنّ الباطل وإنْ صال وجال، وإنْ علا في زمان أو طال؛ فإنه ولا ريب سيعود إلى ما كان عليه من التراجع والصغار، وتلك سُنَّة من سنن الحكيم القهار. وقد وعد أصدق الواعدين ـ سبحانه ـ: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْـحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18]؛ ذلك أنّ هذا هو طبيعة الباطل: {إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]. وإنّ الذي يمكث ويبقى هو ما ينفع الناس: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17].
إنّ المؤمنين الصابرين موعودون إحدى الحسنيين؛ فإما شهادة تعجِّل بهم إلى دار النعيم والكرامة، وإما نصر تَقرّ به عيونهم؛ ففيم اليأس والأسى؟ أما غيرهم ففيم يفرحون؟ وبم يُسرّون؟ أبالنار التي إليها يسيرون؟ أم بالعذاب الذي إليه يُساقون؟ أم بالخسارة التي إليها يُهرعون؟!
وإنّ من سنن الله ـ عزّ وجلّ ـ أنّ المستقبل لهذا الدين، والنصر لأوليائه الصادقين، مهما كاد الكائدون، وتآمر المتآمرون، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]، إنهم كما أخبر الله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]، إنهم يكيدون الليل والنهار ويمـكرون، والله خـير الماكرين، وهـو ـ سبحانه ـ ولي المؤمنين المتقين.
والابتلاء هو سبيل المرسلين والمؤمنين، ولكنّ أمر المؤمن كله له خير؛ فهو عند النصر والسراء من الشاكرين، وعند الكرب والضراء من الصابرين. ولقد وعد الله، ولا أصدق منه وعداً، فقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْـمُرْسَلِينَ (171) إنَّهُمْ لَهُمُ الْـمَنصُورُونَ (172) وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173]، ونصر المؤمنين أعظم نصر وأشرفه؛ لأنه نصر للحق على الباطل، ونصر في الدنيا والآخرة، بذا وعدنا الحكيم القادر: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51]، وجاء النص الإلهي الكريم في سورة الروم على انتقامه ـ سبحانه ـ من المجرمين الذين صدُّوا عن هدي المرسلين، ثم وَعَد بنصر المؤمنين، فقال ـ تبارك وتعالى ـ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
إنّ الناس يموتون، ولكنّ الدين باق بعزَّة وشموخ، يقيِّض الله له من أبنائه مَن يكون عزُّه ونصره على يديه.
ومن نَصْر الله لدينه أنْ جعل الزمان لا يخلو من أهل الحق، الصابرين في سبيله، الذين يعضّون بنواجذهم عليه، ويتحمّلون في سبيله كل أذى وقتال، كما جاء في الحديث الصحيح عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس»(1).
وفي الحديث الصحيح الآخر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله زوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمرَ والأبيضَ. وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بيضتهم. وإنّ ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُردّ، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً»(3).
ولئن كان لليهود اليوم صولة وجولة، وكان للنصارى مظاهرة لهم وممانعة، ولئن ظنّ بعض المنهزمين ألا قدرة لنا عليهم، فقد جاءتنا البشارة بأنّ خاتمة المطاف تحمل نصراً لنا وإبادة لهم؛ إبادة يتعاون معنا فيها الحجر والنبات. أخبر عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقاتلكم اليهود، فتُسلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهوديّ ورائي، فاقتله»(5). وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود»(6).
إنّ الإيمان ـ أيها الإخوة ـ هو شرط نصركم وتمكينكم، فمتى صحَّ ذلك منكم تحقَّق وعد ربكم لكم.