عن الظرفاء
[frame="8 70"]كان أبوالعبر، يتعمد المقلوب في كلامه، ايغالا في الرقاعة والمجانة، والهزل، حتي في الكتابة، كتب مرة لبعض أصحابه: أما قبل، فأحكم بنيانك علي الرمل، واحبس الماء في الهواء، حتي يغرق الناس من العطش، فإنك إن فعلت ذلك أمرت لك كل يون بسبعة آلاف درهم. ينقص كل درهم سبعة دوانيق ثم إنه أرَّخ هذه الرسالة، بقوله: كتب يوم ألا تسعاً لخمس وأربعين ليلة خلت من شهر ربيع الأوسط سنة عشرين إلا مائتين...
كان أبوعبدالله بن الجصاص من أكبر المضحكين في عصره، كان ذكيا، واسع الثراء، ضخم الجسم، ودعاباته المقصودة تدل علي أدب وعلم وذوق، وعلي فهم لحقائق الأمور، فيها بث للشكوي، وترويح عن النفس، وتبرم بالأحوال.
وكان يتردد إلي مجالس الخليفة المعتضد، فكان الخليفة إذا رآه، يقول: هذا الأحمق المرزوق . وكان للوزير علي بن عيسي، معرفة به، ودالة عليه وكان يتحرش به أحيانا، فيرتجل النكتة المضحكة، أرسل الوزير علي بن عيسي إلي ابن الجصاص، مرة، أن يأتيه في البكور، فأبطأ ابن الجصاص، وأتاه نصف النهار.. فقال: ما أخرك يا أبا عبدالله؟ . فقال: بمحلتي، أعز الله الأمير، كلاب تنبح الليل أجمع، فاسهرتني البارحة. فلما كان مع وجه السحر، سكن نباحها فنمت، فغلبتني عيني إلي الآن، فقال له: ومالك يا أبا عبدالله، لا تتقدم في قتلها؟ فقال: ومن يستطيع ذلك، أيها الوزير، وكل واحد منها مثلي ومثل أبيك رحمه الله.
يحكي عن ابن الجصاص، أنه كان نائما، ذات ليلة باردة، فخرجت يده من الغطاء فأعادها إلي جسده بثقل النوم، فأيقظته، فقبض عليها بيده الأخري، وصاح: اللصوص، اللصوص، هذا اللص جاء ينازعني، وقد قبضت عليه، أدركوني لئلا يكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا بالسراج، فوجدوه قد قبض علي يده بيده.
وقد سبق واضع هذه القصة، الشاعر الفرنسي موليير صاحب قصة البخيل، في براعة تصوير البخل، والحرص الشديد.[/frame]
|