انتخابات الرئاسة اليمنية .. اختبار للوعي والنوايا!!
أيام قليلة تفصلنا عن العشرين من الشهر الجاري موعد ذهاب نحو تسعة ملايين وثلاثمائة ألف يمني إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد لبلادهم، بعد أن عايشوا أجواء حملة انتخابية حامية الوطيس والتي يصفها مراقبون بأنها من أقوى الحملات الدعائية التي لم يعرف لها اليمن مثيلا، ففي هذه الحملة سمع وشاهد اليمنيون على شاشتهم الفضائية لأول مرة خطابات ومهرجانات المرشحين الخمسة يتقدمهم الرئيس اليمني علي عبد الله صالح مرشح المؤتمر الشعبي العام الحاكم ومرشح خمسة أحزاب معارضة فيصل بن شملان، وفي هذه الحملة يحاول الأول إقناع الناخبين بقدرته على الاستمرار وتحقيق مزيد من المنجزات ومحاربة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة بينما يحاول شملان إقناع الشعب ببرنامج أحزاب اللقاء المشترك للإصلاح السياسي وإقامة دولة المؤسسات والقانون لتحقيق ما يحلم به المواطنون من حياة كريمة ورفاهية في العيش إلا أن الملاحظ أن مفردات لغة الخطاب السياسي كانت في أغلبها متوترة ومستفزة في آحايين كثيرة.
لم يألف اليمنيون على الأقل خلال 28 سنة من حكم الرئيس صالح أن توجه المعارضة في أنشطتها وخلال حملاتها الانتخابية نقدا لاذعا لمن يتربع على رأس السلطة ذلك أن الحاكم نجح في تسويق ثقافة تزاوج بينه وبين النظام السياسي العام للدولة حتى أصبح يوصف من ينتقد الفساد الحكومي بأنه يهدد الأمن والاستقرار وقلب نظام الدولة، وهذا ما دفع الرئيس المرشح إلى تبني خطاب يضع معارضيه في خانة التتار وأنصار الردة والانفصال والحقد المشترك على كل انجازاته بينما كان الكثير منهم إلى وقت قريب في خانة أصدقائه وحلفائه، وهو خطاب ربما تمتد آثاره إلى ما بعد الانتخابات التي يطمح الناخبون أن تكون السبيل الوحيد للتغيير السلمي في المجتمع وضمان التعاقب للحكام.
شاركت الهيئة الناخبة اليمنية في أول انتخابات مباشرة لرأس الدولة في شهر سبتمبر عام 1999، ورغم أنها كانت غير مسبوقة في الحياة السياسية إلا أنها افتقرت إلى المصداقية واحترام وعي الجماهير حيث أوتي بمنافس من داخل الحزب الحاكم لتزيين حلبة السباق بينما بقيت القوى السياسية الفاعلة تتفرج ومنها من ساهم في تنظيم تلك "المنافسة" معلومة النتائج. أما إيجابية الانتخابات المقبلة فإنها على الأقل تشهد منافسة حقيقية وحراكا ديمقراطيا تساقطت حجاره في مياه الحياة السياسية الراكدة، الأمر الذي جعل الواقع السياسي اليمني يشهد مفارقات لم يألفها ولعل أبرزها تحالف التيار الإسلامي بكل تنويعاته مع التيارات القومية والناصرية واليسارية أضف إلى ذلك إجماعها على اختيار مرشح للرئاسة من خارج صفوفها وهو تطور لم يعجب الحزب الحاكم طبعا بل ويرى في مرشح هذه التيارات خروجا على كل أعراف وتقاليد العمل السياسي والحزبي بينما وصف سياسيون عربا وأجانب هذا المعطى الجديد على الساحة السياسية العربية بأنه تجربة تستحق الإشادة لأنها تعاون من أجل إحداث التغيير المطلوب من الداخل وفق أسس ديمقراطية تأخذ بخصائص البيئة المحلية والواقع الاجتماعي، وهو ما قد يجعل نتائج السباق على عرش اليمن اختبارا لوعي اليمنيين السياسي وانعكاسا لمدى تشبثهم بالديمقراطية ورغبتهم في التغيير.
وإذا كانت حملة انتخابات الرئاسة والمجالس المحلية قد عرضت اليمنيين لأكبر عملية تسييس في وعيهم واهتماماتهم فإنها ستكون كذلك اختبارا لمدى إيمان الحزب الحاكم والرئيس علي عبدالله صالح بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ووجود معارضة ما فتئ صالح يؤكد على أهمية تلاحمها وتعاضدها لتكون قوية، رغم قناعتي الذاتية بأن حزب المؤتمر الحاكم مثله مثل بقية الأحزاب العربية الحاكمة لايمكنه إلا أن يفوز بالأغلبية في أي انتخابات يخوضها ولن يرضى بغير ذلك ولو تطلب الأمر اللجوء إلى أدوات غير ديمقراطية لأن من تفضل بمنح لعبة الديمقراطية للجماهير يجب أن يكون هو بطلها الوحيد إلى أن يبلغ الشعب سن الرشد الذي يحدده هو وحينها تكون البلاد مهيأة لتداول السلطة.
محمد لطف الحميري
كاتب صحفي
|